صديق الحسيني القنوجي البخاري

575

فتح البيان في مقاصد القرآن

جمع معيشة وهي ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا ، وقيل هي الملابس ، وقيل هي التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة ، قال الماوردي : وهو الظاهر . قلت : والأول أظهر قال النسفي هي بياء صريحة بخلاف الخبائث ونحوها فإن تصريح الياء فيها خطأ انتهى . وقرىء بالهمز على التشبيه بشمائل ، وقد ذكر في الأعراف وهي شاذة وقراءة الجمهور بالياء لأنها في المفرد أصلية لأن مفرده معيشة من العيش فالياء أصلية والمد في المفرد لا يقلب همزا في الجمع إلا إذا كان زائدا في المفرد قاله في الجمل . وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ عطف على معايش أو على محل لكم وهم المماليك والعبيد والخدم والدواب والأولاد الذي رازقهم في الحقيقة هو اللّه وإن ظن بعض العباد أنه الرازق لهم باعتبار استقلاله بالكسب ، وهذا في غاية الامتنان والمعنى على الثاني وجعلنا لمن لستم له برازقين فيها معايش ، وهم من تقدم ذكره ويدخل في ذلك الدواب على اختلاف أجناسها ، وقيل أراد الوحش قاله منصور . وقال مجاهد : الأنعام ، وقيل الطيور ، ومنه قوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] . وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ إن هي النافية ومن مزيدة للتأكيد ، وهذا التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من ومع لفظ شيء المتناول لكل الموجودات الصادق على كل فرد منها ، فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند اللّه خزائنها لا يخرج منها شيء ، والخزائن جمع خزانة وهي المكان الذي يحفظ فيه نفائس الأمور ، وذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور . والمعنى أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة للّه تعالى يخرجها من العدم إلى الوجود بمقدار كيف شاء ، وقال جمهور المفسرين إن المراد بما في الآية هو المطر لأنه سبب الأرزاق والمعايش ، وعن ابن مسعود وابن عباس : ما نقص المطر منذ أنزله اللّه ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر أخرى ، ثم قرأ وما تنزله الآية . قال ابن الخطيب : وتخصيص الحكم له هذا بالمطر تحكم محض لأن قوله وإن من شيء يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل ، وقيل الخزائن المفاتيح أي ما من شيء إلا عندنا في السماء مفاتيحه والأولى ما ذكرناه من العموم لكل موجود بل قد يصدق الشيء على المعدوم على الخلاف المعروف في ذلك ، وقيل في العرش تمثال جميع ما خلق اللّه في البر والبحر وهو تأويل هذه الآية . وأخرج البزار وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « خزائن اللّه الكلام فإذا أراد شيئا قال له كن فكان » . وَما نُنَزِّلُهُ من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد إِلَّا بِقَدَرٍ أي بمقدار